ابن قيم الجوزية

236

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قالوا : ولو ترك الجمعة حتى صلاها الإمام عمدا ، عصى بتأخيرها . ولزمه أن يصلي الظهر . ونسبة الظهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصبح بعد طلوع الشمس إلى صلاتها قبل الطلوع . قالوا : وقد أخر النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاة العصر يوم الأحزاب إلى أن صلاها بعد غروب الشمس . فدل على أن فعلها ممكن خارج الوقت في العمد . سواء كان معذورا به كهذا التأخير ، وكتأخير من أخرها من الصحابة يوم بني قريظة إلى بعد غروب الشمس ، أو لم يكن معذورا به ، كتأخير المفرط . فتأخيرهما إنما يختلف في الإثم وعدمه . لا في وجوب التدارك بعد الترك . قالوا : ولو كانت الصلاة خارج الوقت لا تصح ولا تجب ، لما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم الصحابة يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلوها فيهم . فأخرها بعضهم حتى صلاها فيهم بالليل . فلم يعنفهم . ولم يعنف من صلاها في الطريق لاجتهاد الفريقين . قالوا : ولأن كل تائب له طريق إلى التوبة . فكيف تسدّ عن هذا طريق التوبة ، ويجعل إثم التضييع لازما له ، وطائرا في عنقه ؟ فهذا لا يليق بقواعد الشرع وحكمته ورحمته ، ومراعاته لمصالح العباد ، في المعاش والمعاد . فهذا أقصى ما يحتج به لهذه المقالة . قال أصحاب القول الآخر : العبادة إذا أمر بها على صفة معينة ، أو في وقت بعينه ، لم يكن المأمور ممتثلا للأمر إلا إذا أوقعها على الوجه المأمور به : من وصفها ووقتها ، وشرطها . فلا يتناولها الأمر بدونه . قالوا : وإخراجها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلا . وكالسجود على الخدّ بدل الجبهة ، والبروك على الركبة بدل الركوع ونحوه . قالوا : والعبادات التي جعل لها ظرف من الزمان لا تصح إلا فيه كالعبادات التي جعل لها ظرف من المكان . فلو أراد نقلها إلى أمكنة أخرى غيرها : لم تصح إلا في أمكنتها . ولا يقوم مكان مقام مكان آخر . كأمكنة المناسك - من عرفة ومزدلفة والجمار ، والسعي بين الصفا والمروة ، والطواف بالبيت - فنقل العبادة إلى أزمنة غير أزمنتها التي جعلت أوقاتا لها شرعا إلى غيرها ، كنقلها عن أمكنتها التي جعلت لها شرعا إلى غيرها . لا فرق بينهما في الاعتداد وعدمه . كما لا فرق بينهما في الإثم . قالوا : فنقل الصلاة المحدودة الوقت أولا وآخرا عن زمنها إلى زمن آخر ، كنقل الوقوف بعرفة عن زمنه إلى مزدلفة ، ونقل أشهر الحج عن زمنها إلى زمن آخر . قالوا : فأي فرق بين من نقل صوم رمضان إلى شوال ، أو صلى العصر نصف الليل ، وبين من حج في المحرم ووقف فيه ؟ فكيف تصح صلاة هذا وصيامه دون حج هذا . وكلاهما مخالف لأمر اللّه تعالى ، عاص آثم ؟ . قالوا : فحقوق اللّه المؤقتة لا يقبلها اللّه في غير أوقاتها . فكما لا تقبل قبل دخول أوقاتها لا تقبل بعد خروج أوقاتها . فلو قال : أنا أصوم شوال عن رمضان ، كان كما لو قال : أنا أصوم شعبان الذي قبله عنه . قالوا : فإن الحق الليلي لا يقبل بالنهار ، والنهاري لا يقبل بالليل . ولهذا جاء في وصية